محب الصحابة
05/01/09, 03 :28 03:28:50 PM
الحمد لله ذي الملكوت والسلطان، والصلاة والسلام على رسول ربنا الرحمن، محمدوعلى آله وصحبه البررة الكرام، أما بعد:
أخي المسلم: هل رأيت القبور؟ هل رأيت ظلمتها؟ هل رأيت وحشتها؟ هل رأيت شدتها؟ هلرأيت ضيقها؟ هل رأيت هوامها وديدانها؟
أما علمت أنها أعدت لك كما أعدت لغيرك؟
أما رأيت أصحابك وأحبابك وأرحامك نقلوا من القصور إلى القبور.. ومن ضياء المهودإلى ظلمة اللحود.. ومن ملاعبة الأهل والولدان إلى مقاساة الهوام والديدان.. ومنالتنعيم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الثرى والتراب.. ومن أنس العشرة إلى وحشةالوحدة.. ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل؟ فأخذهم الموت على غرة، وسكنواالقبور بعد حياة الترف واللذة، وتساووا جميعاً بعد موتهم في تلك الحفرة، فالله نسألأن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة.
أتيــت القبور فساءلتــــــها *** أين المعظم والمحتقر؟!
وأينالمــــذل بسلــــــطانه *** وأين القوي على ما قدر؟!
تفانوا جميعاً فمامــــــخبر *** وماتوا جميعاً ومات الخير!!
فيا سائلي عن اناس مضوا *** أما لكفيما مضى معتبر؟!
تروح وتغدو بنات الــــثرى *** فتمحو محاسن تلك الصور!
هول القبور
عن هانئ مولى عثمان قال: عثمانإذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنةوالنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن الرسولقال: {القبر أول منازلالآخرة، فإن ينج منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه}، ثم قال: قال رسول الله{ما رأيت منظراً إلا والقبرأفظع منه} [أحمد والترمزي وحسنه الألباني].
وفي حديث جابر بن عبدالله عن النبيأنه قال: {لا تمنوا الموتفإن هول المطلع شديد} [أحمد وحسنه الهيثمي].
أخي الكريم:
تجهز إلى الأجداث ويحك والرمس *** جهازاً من التقوى لطول ما حبس
فإنـــك ما تدري إذا كنت مصبحــاً *** بأحسن ما ترجو لعلك لا تمســي
شيع الحسن جنازة فجلس على شفير القبر فقال: "إن أمراً هذا آخرهلحقيق أن يزهد في أوله، وإن أمراً هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره".
ووعظ عمر بن عبدالعزيز يوماً أصحابه فكان من كلامه أنه قال: "إذا مررت بهمفنادهم إن كنت منادياً، وادعهم إن كنت داعياً، ومر بعسكرهم، وانظر إلى تقاربمنازلهم.. سل غنيهم ما بقي من غناه؟.. واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون،وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرون.. واسألهم عن الجلود الرقيقة، والوجوهالحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان تحت الأكفان؟!.. أكلت الألسن، وغفرتالوجوه، ومحيت المحاسن، وكسرت الفقار، وبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء فأين حجابهموقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم وكنوزهم؟ أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس الليلوالنهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقواالأحبة والمال والأهل".
فيا ساكن القبر غداً! ما الذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟وأين ثمارك اليانعة؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك وبخورك؟ وأين كسوتك لصيفكوشتائك؟.. ليت شعري بأي خديك بدأ البلى.. يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت.. ليتشعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا..وما يأتيني به من رسالةربي.. ثم انصرف رحمة الله فما عاش بعد ذلك إلا جمعة.
إخوتي: تفكروا في الذين رحلوا.. أين نزلوا؟ وتذكروا، القوم نوقشوا وسئلوا.. واعلموا أنكم كما تعذلون عذلوا.. ولقد ودوا بعد الفوات لو قبلوا.. ولكن هيهات هيهاتوقد قبروا.
عن وهب بن الورد قال: بلغنا أن رجلا فقيها دخل على عمر بن عبدالعزيز فقال: سبحانالله! فقال له عمر: وتبينت ذلك فعلا؟ فقال له ك الأمر أعظم من ذلك! فقال له عمر: يافلان! فكيف لو رأيتني بعد ثلاث، وقد أدخلت قبري.. وقد خرجت الحدقتان ن، وتقلصتالشفتان عن الأسنان.. وانفتح الفم.. ونتأ البطن فعلا الصدر.. وخرج الصديد منالدبر!!
وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: "ويحك يا يزيد! من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذايصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى عنك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكونوتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم.. من الموت موعده.. والقبر بيته.. والثرى فراشه.. والدود أنيسه.. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر.. كيف يكون حاله؟!"، ثم بكي رحمهالله.
عظة القبور
قال عبدالحق الأشبيلي: "فينبغي لمن دخل المقابر أن يتخيل أنه ميت، وأنه قد لحقبهم، ودخل معسكرهم، وأنه محتاج إلى ما هم إليه محتاجون، وراغب فيما فيه يرغبون،فليأت إليهم ما يحب أن يؤتى إليه، وليتحفهم بما يحب أن يتحف به، وليتفكر في تغيرألوانهم، وتقطع أبدانهم، ويتفكر في أحوالهم، وكيف صاروا بعد الأنس بهم والتسليبحديثهم، إلى النفار من رؤيتهم، والوحشة من مشاهدتهم وليتفكر أيضاً في انشقاق الأرضوبعثرة القبور، وخروج الموتى وقيامهم مرة واحدة حفاة عراة غرلاً، مهطعين إلىالداعي، مسرعين إلى المنادي".
يا أيها المتسمن *** قل لي لمن تتسمن؟
سمنت نفسك للبلى *** وبطنتيا مستبطن
وأسأت كل إساءة *** وظننت أنك تحسن!
مالي رأيتك تطمئن *** إلىالحياة وتركن!
يا سكن الحجرات ما *** لك غير قبرك مسكن
اليوم أنت مكاثر *** ومفاخر تتزين
وغداً تصير إلى القبور *** محنط ومكفن!
أحدث لربك توبة *** فسبيلها لك ممكن
واصرف هواك لخوفه *** مما تسر وتعـــلن
عنمحمد بن صبيح قال: "بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره، فعذب أو أصابه ما يكره، ناداهجيرانه من الموتى: يا أيها المتخلف في الدنيا فبعد إخوانه! أما كان لذلك فينامعتبر؟ أما كان لك في تقدمنا إياك فكرة؟ أما رأيت انقطاع أعمالنا وأنت في المهل؟فهلا استدركت ما فات إخوانك!!".
فتنة القبور
أخي المسلم: ماذا أعددت لأول ليلة تبيتها في قبرك؟ أما علمت أنها ليلة شديدة،بكى منها العلماء، وشكا منها الحكماء، وشمر لها الصالحون الأتقياء؟
فارقت موضع مرقدي *** يوماَ فقارققني السكون
القــــــــــــبر أولليلة *** بالله قل لي ما يكون؟!
كان الربيع بن خثيم يتجهز لتلكالليلة، ويروى أنه حفر في بيته حفرة فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيها، وكانيمثل نفسه أنه يقد مات وندم وسأل الرجعة فيقول: رب ارجعونلعلي أعمل صلحا فيما تركت[المؤمنون:99-100]، ثم يجيب نفسه فيقول: "قد رجعت ياربيع!!" فيرى فيه ذلك أياماً، أي يرى فيه العبادة والاجتهاد والخوف والوجل.
وعن أبي هريرة عن النبيقال: {إن الميت يصير إلى القبر، فيجلس الرجلالصالح في قبره غير فزع ولا شعوف ( أي غير خائف ولا مزعور ) ثم يقال له: فيم كنت؟فيقول: كنت في الإسلام فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات من عند اللهفصدقناه، فيقال له، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله: ثم يفرج له قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك، ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث، إشاء الله.
قال: ويجلس الرجل السوء فيقبره فزعا مشعوفاً، فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: ما هذا الرجل؟فيقول: سمعت الناس يقولون قولاً فقلته. فيفرج له قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها ومافيها، فيقال له: انظر ما صرف الله عنك. ثم يفرج له فرجه قبل النار، فينظر إليهايحطم بعضها بعضاً فيقال له: هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاءالله} [ابن ماجة وصححه البوصيري].
أرى أهل القصور إذا أميتـــــــوا *** بنوا فوق المقابر بالصخــور
أبوا إلا مباهاة وفخـــــــــــــــــراً *** على الفقراء حتى في القبور
لعمرك لو كشقت التــــرب عنهم *** فما تدري الغني من الفقــــير
ولا الجلدالمباشر ثوب صـــوف *** من الجلد المباشر للـــــحرير
إذا أكل الثرىهــــــــــــــذا وهذا *** فما فضل الغني على الفقير؟
فياإخوتاه! ألا تبكون من الموت وسكرته؟
ويا إخوتاه! ألا تبكون من القبر وضمته؟
ويا أخوتاه! ألا تبكون خوفاً من النار في القيامة؟
ويا أخوتاه! ألا تبكون خوفاً من العطش يوم الحسرة والندامة؟
عذاب القبر ونعيمه
أخي الكريم: ثبت عذاب القبر بالكتاب والسنة والإجماع، ولا ينكر ذلك إلا مكابرومعاند قال تعالى: سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم[التوبة:101].
وقال سبحانه: وحاق بئال فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليهاغدواً وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب[غافر:45،46].
وعن البراء بن عازبعن النبيأنه قال: يثبت الله الذين إمنوا بالقول الثابتقال: {نزلت في عذاب القبر. يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله،ونبي محمد، فذلك قولهعز وجل: يثبت الله الذين إمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [متفق عليه].
وعن أنس رضي الله عنه، أن النبيقال: {لولا أن تدافنوالدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر} [رواه مسلم].
وعن أبي هريرةقال: قال رسول الله: {إذا اقبرت الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقاللأحدهما المنكر، وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبدالله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فيقولان: قد كنانعلمك أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، ثميقال له: نم فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظهإلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه بذلك.
إن كان منافقاً قال: سمعتالناس يقولون فقلت مثله.. لا أدري فيقولان: قد كانا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثهالله من مضجعه ذلك} [الترمزي وقال: حسن غريب].
وعن أنسقال: قالنبي الله: {إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرعنعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأماالمؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله قال: فيقال له: إنظر إلى مقعدك من النار،قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة قال نبي اللهفيراهما جميعاً.
وأما المنافق والكافر فيقال له: ماكنت تقول في هذا الرحل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت ولاتليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقيلين} [متفق عليه].
حديث القبور
روي عن علي بن أبي طالبأنه قال في خطبته: "يا عباد الله: الموت الموت، فليس منه فوت، إن أقمتمله أخذكم، وإن فررتم منه أدر ككم، الموت معقود بنواصيكم، فالنجاة النجاة، الوحاالوحا، فإن وراءكم طالبا حثيثا وهو القبر، ألا وإ، القبر روضة من رياض الجنة، أوحفرة من حفر النيران، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة.. أنا بيت الوحشة.. أنا بيت الديدان ألا وإن وراء ذلك اليوم يوما أشد من ذلك اليوم،يوما يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبيروترى الناس سكرى وما هم بسكرى ولكنعذاب الله شديد[الحج:2].
وروى أسيد بن عبدالرحمن أنه قال: "بلغني أن المؤمن إذا مات فحمل قال: أسرعوا بي،فإذا وضع في لحده كلمته الأرض فقالت: كنت أحبك وأنت على ظهري، فأنت الآن أحب إلي فيبطني.
وإذا مات الكافر فحمل قال: ارجعوا بي، فإذا وضع في لحده كلمته الأرضفقالت: كمت أبغضك وأنت على ظهري، فأنت الآن أبغض إلي في بطني!!
ويقال: إن الأرض تنادي كل يوم فتقول:
يا ابن آدم تمشي على ظهري ومصيرك في بطني!!
يا ابن آدم تأكل الألوان على ظهري، وتأكلك الديدان في بطني!
يا ابن آدم تضحك على ظهري، فسوف تبكي في بطني!
يا ابن آدم تفرح على ظهري، فسوف تحزن في بطني!
يا ابن آدم تذنب على ظهري فسوف تعذب في بطني!
أيتها المقابر فيك *** من كنا ننازله
ومن كنا نتاجره *** ومن كنانعامله
ومن كنا نعاشره *** ومن كنا نطاوله
ومن كنا نشاربه *** ومن كناتؤاكله
ومن كنا له إلفا *** قليلاً ما نزايله
ومن كنا له بالأمس *** أحيانانواصله
فحل محله من حلها *** صرمت حبائله
ألا إن المنبة منهل *** والخلقناهله
زيارة القبور
أخي الحبيب:
حيث أن اله وسلم على زيارة الموتى في قبورهم، والأعتبار بأحوالهم، فقال عليهالصلاة والسلام: {زوروا القبور فإنها تذكر الموت} [رواه مسلم].
وقال النبي: {نهيتكم عن زيارة القبور فزروها} [رواهمسلم]، وعند أبي داود: {فإن في زيارتها تذكرة}، وعند الإمام أحمد: {فزوروها فإن فيزيارتها عبرة وعظة}.
وكان النبي صلى الله عليه إذا أتى المقابر قال: {السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم السابقون وإنا إن شاء اللهبكم لا حقون، أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، أسأل الله لنا ولكم العافية} [رواه مسلم].
وفي زيارة القبور فوائد كثيرة منها أنها:
1- تذكر الموت والآخرة. 2- تقصر الأمل. 3- تزهد في الدنيا. 4- ترقق القلوب. 5- تدمع الأعين. 6- تدفع الغفلة. 7- تورقث الخشية. 8- تورث الاجتهاد في العبادة.
قال محمد بن واسع لرجل: "ما أعجب إلى منزلك! فقال: وما بعجبك من منزلي وهو عندالقبور؟ قال: وما عليك، يكفون الأذى ويذكرون الآخرة!!".
الأسباب الموجبة لعذاب القبر
أخي المسلم الموفق: ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن أهل القبور يعذبون علىجهلهم بالله، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثرغضب الله وسخطه على عبده، فعذاب القبر يكون على معاصي القلب، والعين، والأذن،والفم، واللسان، والبطن، والفرج، واليد،، والرجل، والبدن كله، فمن أغضب الله واسخطهفي هذه الدار ثم لم يتب، ومات على ذلك، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطهعليه، فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب.
وقد ورد الوعيد بالعذاب في القبر على كثير من المعاصي والذنوب منها:
1- النميمة والغيبة. 2- عدم الاستبراء من البول. 3- الصلاة بغير طهور. 4- الكذب. 5- تضييع الصلاة والتثاقل عنها. 6- ترك الزكاة. 7- الزنى. 8-الغلول من المغنم (السرقة). 9- الخيانة. 10- السعي في الفتنة بين المسلمين. 11- أكل الربا. 12- تركنصرة المظلوم. 13- شرب الخمر. 14- إسبال الثياب تكبراً. 15- القتل. 16- سب الصحابة. 17- الموت على غير السنة (البدعة).
وقال رحمه الله بعد أن ذكر أنواع كثيرة من المحرمات التي يعذب بها الموتى فيقبورهم: "وما كان أكثر الناس كذلك، كان أكثر أهل القبور معذبين، والفائز منهم قليل،فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات وعذاب ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشةمبنيات، وفي باطنها الدواهي والبليات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها،ويحق لها وقد حيل بينها وبين أمانيها.. تالله لقدت وعظت لواعظ مقالا، ونادت: ياعمار الدنيا لقد عمرتم دارا موشكة بكم زوالا، وخربتم دارا انتم مسرعون إليهاانتقالا هذه دار الاستيفاء، ومستودع الأعمال، وبذر الزرع، وهي محل للعبر، رياض منرياض الجنة، أو حفر من حفر النيران".
ما للمقابر لا تجيب *** إذا دعاهن الكئيب
حفر مسقفة عليهن *** الجنادل والكثيب
فيهن ولدان وأطفال *** وشبان وشيب
كم من حبيب لم تكن *** نفسي بفرقته تطيب
غادرته في بعضهن *** مجندلاً وهو الحبيب
وسلوت عنه وإنما *** عهدي برؤيته قريب
فاعتبروا يا أولي الأبصار
إخواني: كم من ظالم تعدى وجار، فما راعي الأهل ولا الجار، بينا هو عقد الإصرار،حل به الموت فحل من حلته الأزرارفاعتبروا يا أولي الأبصار.
ما صحبه سوى الكفن، إلى بيت البلى والعفن، ولو رأيته وقد حلت به المحن، وشين ذلكالوجه الحسن، فلا تسأل كيف صارفاعتبروا يا أولي الأبصار.
أين مجالسة العالية؟ أين عيشته الصافية؟ أين لذاته الخالية؟ كم كم تسفى على قبرهسافية!! ذهبت العين وأخفيت الآثارفاعتبروا يا أولي الأبصار.
تقطعت به جميع الأسباب، وهجره القرناء والأتراب، وصار فراشه الجندل والتراب،وربما فتح له في اللحد باب إلى النارفاعتبروا يا أولي الأبصر.
نادم بلا شك ولا خفا، باك على ما زل وهفا، يود أن صافي اللذات ما صفا، وعلم انهكان يبني على شفا جرف هارفاعتبروا يا أولي الأبصر.
الأسباب المنجية من عذاب القبر
وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن أسباب النجاة من عذاب اقبر، هي أن يتجنبالإنسان تلك الأسباب التي تقتضي عذاب القبر، وهي جميع المعاصي والذنوب.
وذكر رحمه الله أن من أنفع تلك الأسباب: أن يحاسب المرء نفسه كل يوم على ما خسرهوربحه في يومه، ثم يجدد التوبة، النصوح بينه وبين الله، فينم على تلك التوبة، فإنمات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبلا للعمل، مسرورا بتأخير أجله،حتى يستقبل ربه ويستدرك ما فاته، ولا ينام إلا على طهارة، ذاكراً الله عز وجل،مستعملاً الأذكار والسنن التي ورت عن الرسولعند النوم حتى يغلبه النوم، فمن أراد الله به خيراً وفقهلذلك.
ثم ذكر رحمه الله الطاعات التي ورد أنها مما ينجي من عذاب القبر وهي:
1- الرباط في سبيل الله.
2- الشهادة في سبيل الله.
3- قراءة سورة الملك.
4- الموت بداء البطن.
5- الموت يوم الجمعة.
الثبات عند الموت
قال الفقيه أبو الليث المرقندي: ويكون التثبيت في ثلاثة أحوال، لمن كان مؤمنامخلصا مطيعا لله تعالى:
أحدهما: في حال معاينة ملك الموت.
ثانيها: في حال سؤال منكر ونكير.
وثالثها: في حال سؤاله عند المحاسبة يوم القيامة.
فأما التثبيت عند معاينة ملك الموت فهو على ثلاثة أوجه:
الأول: العصمة من الكفر، وتوفيق الاستقامة على التوحيد، حتى تخرج روحه وهو علىالإسلام.
والثاني: أن تبشره الملائكة بالرحمة.
والثالث: أن يرى موضعه من الجنة.
وأما التثبيت في القبر فهو على ثلاثة اوجه:
الأول: أن يلقنه الله تعالى الصواب[، حتى يجيب الملكين بما يرضى عنه الرب.
والثاني: أن يزول عنه الخوف والهيبة والدهشة.
والثالث: أن يرى مكانه في الجنة، فيصير القبر روضة من رياض الجنة.
وأما التثبيت عند الحساب فعلى ثلاثة أوجه:
الأول: أن يلقنه الحجة عما يسأل عنه.
والثاني: يسهل عليه الحساب.
والثالث: أن يتجاوز عنه الزلل والخطايا.
فالواجب على كل مسلم أن يستعيذ بالله تعالى من عذاب القبر، وأن يستعد لهبالأعمال الصالحة قبل أن يدخل فيه، فإنه قد سهل عليه الأمر ما دام في الدنيا، فإذادخل القبر فإنه يتمنى أن يؤذن له بحسنة واحدة أو يؤذن بأن يصلي ركعتين، أو يقول: لاإله إلا الله، محمد رسول الله ولو مرة واحدة، أو يؤذن له بتسبيحه واحدة، فلا يؤذنله، فيبقى في حسرة وندامة، ويتعجب من الأحياء كيف يضيعون أيامهم في الغفلةوالبطالة؟!
قد كان عمرك ميلا *** فأصبح الميل شبرا
وأصبح الشبر عقدا *** فاحفرلنفسك قبرا
نسأل الله أن يوفقنا للاستعداد ليوم الحاجة، ولا يجعلنا من النادمين، وأن يجعل القبور بعد فراق الدنيا خير منازلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه،
أخي المسلم: هل رأيت القبور؟ هل رأيت ظلمتها؟ هل رأيت وحشتها؟ هل رأيت شدتها؟ هلرأيت ضيقها؟ هل رأيت هوامها وديدانها؟
أما علمت أنها أعدت لك كما أعدت لغيرك؟
أما رأيت أصحابك وأحبابك وأرحامك نقلوا من القصور إلى القبور.. ومن ضياء المهودإلى ظلمة اللحود.. ومن ملاعبة الأهل والولدان إلى مقاساة الهوام والديدان.. ومنالتنعيم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الثرى والتراب.. ومن أنس العشرة إلى وحشةالوحدة.. ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل؟ فأخذهم الموت على غرة، وسكنواالقبور بعد حياة الترف واللذة، وتساووا جميعاً بعد موتهم في تلك الحفرة، فالله نسألأن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة.
أتيــت القبور فساءلتــــــها *** أين المعظم والمحتقر؟!
وأينالمــــذل بسلــــــطانه *** وأين القوي على ما قدر؟!
تفانوا جميعاً فمامــــــخبر *** وماتوا جميعاً ومات الخير!!
فيا سائلي عن اناس مضوا *** أما لكفيما مضى معتبر؟!
تروح وتغدو بنات الــــثرى *** فتمحو محاسن تلك الصور!
هول القبور
عن هانئ مولى عثمان قال: عثمانإذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنةوالنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن الرسولقال: {القبر أول منازلالآخرة، فإن ينج منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه}، ثم قال: قال رسول الله{ما رأيت منظراً إلا والقبرأفظع منه} [أحمد والترمزي وحسنه الألباني].
وفي حديث جابر بن عبدالله عن النبيأنه قال: {لا تمنوا الموتفإن هول المطلع شديد} [أحمد وحسنه الهيثمي].
أخي الكريم:
تجهز إلى الأجداث ويحك والرمس *** جهازاً من التقوى لطول ما حبس
فإنـــك ما تدري إذا كنت مصبحــاً *** بأحسن ما ترجو لعلك لا تمســي
شيع الحسن جنازة فجلس على شفير القبر فقال: "إن أمراً هذا آخرهلحقيق أن يزهد في أوله، وإن أمراً هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره".
ووعظ عمر بن عبدالعزيز يوماً أصحابه فكان من كلامه أنه قال: "إذا مررت بهمفنادهم إن كنت منادياً، وادعهم إن كنت داعياً، ومر بعسكرهم، وانظر إلى تقاربمنازلهم.. سل غنيهم ما بقي من غناه؟.. واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون،وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرون.. واسألهم عن الجلود الرقيقة، والوجوهالحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان تحت الأكفان؟!.. أكلت الألسن، وغفرتالوجوه، ومحيت المحاسن، وكسرت الفقار، وبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء فأين حجابهموقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم وكنوزهم؟ أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس الليلوالنهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقواالأحبة والمال والأهل".
فيا ساكن القبر غداً! ما الذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟وأين ثمارك اليانعة؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك وبخورك؟ وأين كسوتك لصيفكوشتائك؟.. ليت شعري بأي خديك بدأ البلى.. يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت.. ليتشعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا..وما يأتيني به من رسالةربي.. ثم انصرف رحمة الله فما عاش بعد ذلك إلا جمعة.
إخوتي: تفكروا في الذين رحلوا.. أين نزلوا؟ وتذكروا، القوم نوقشوا وسئلوا.. واعلموا أنكم كما تعذلون عذلوا.. ولقد ودوا بعد الفوات لو قبلوا.. ولكن هيهات هيهاتوقد قبروا.
عن وهب بن الورد قال: بلغنا أن رجلا فقيها دخل على عمر بن عبدالعزيز فقال: سبحانالله! فقال له عمر: وتبينت ذلك فعلا؟ فقال له ك الأمر أعظم من ذلك! فقال له عمر: يافلان! فكيف لو رأيتني بعد ثلاث، وقد أدخلت قبري.. وقد خرجت الحدقتان ن، وتقلصتالشفتان عن الأسنان.. وانفتح الفم.. ونتأ البطن فعلا الصدر.. وخرج الصديد منالدبر!!
وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: "ويحك يا يزيد! من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذايصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى عنك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكونوتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم.. من الموت موعده.. والقبر بيته.. والثرى فراشه.. والدود أنيسه.. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر.. كيف يكون حاله؟!"، ثم بكي رحمهالله.
عظة القبور
قال عبدالحق الأشبيلي: "فينبغي لمن دخل المقابر أن يتخيل أنه ميت، وأنه قد لحقبهم، ودخل معسكرهم، وأنه محتاج إلى ما هم إليه محتاجون، وراغب فيما فيه يرغبون،فليأت إليهم ما يحب أن يؤتى إليه، وليتحفهم بما يحب أن يتحف به، وليتفكر في تغيرألوانهم، وتقطع أبدانهم، ويتفكر في أحوالهم، وكيف صاروا بعد الأنس بهم والتسليبحديثهم، إلى النفار من رؤيتهم، والوحشة من مشاهدتهم وليتفكر أيضاً في انشقاق الأرضوبعثرة القبور، وخروج الموتى وقيامهم مرة واحدة حفاة عراة غرلاً، مهطعين إلىالداعي، مسرعين إلى المنادي".
يا أيها المتسمن *** قل لي لمن تتسمن؟
سمنت نفسك للبلى *** وبطنتيا مستبطن
وأسأت كل إساءة *** وظننت أنك تحسن!
مالي رأيتك تطمئن *** إلىالحياة وتركن!
يا سكن الحجرات ما *** لك غير قبرك مسكن
اليوم أنت مكاثر *** ومفاخر تتزين
وغداً تصير إلى القبور *** محنط ومكفن!
أحدث لربك توبة *** فسبيلها لك ممكن
واصرف هواك لخوفه *** مما تسر وتعـــلن
عنمحمد بن صبيح قال: "بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره، فعذب أو أصابه ما يكره، ناداهجيرانه من الموتى: يا أيها المتخلف في الدنيا فبعد إخوانه! أما كان لذلك فينامعتبر؟ أما كان لك في تقدمنا إياك فكرة؟ أما رأيت انقطاع أعمالنا وأنت في المهل؟فهلا استدركت ما فات إخوانك!!".
فتنة القبور
أخي المسلم: ماذا أعددت لأول ليلة تبيتها في قبرك؟ أما علمت أنها ليلة شديدة،بكى منها العلماء، وشكا منها الحكماء، وشمر لها الصالحون الأتقياء؟
فارقت موضع مرقدي *** يوماَ فقارققني السكون
القــــــــــــبر أولليلة *** بالله قل لي ما يكون؟!
كان الربيع بن خثيم يتجهز لتلكالليلة، ويروى أنه حفر في بيته حفرة فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيها، وكانيمثل نفسه أنه يقد مات وندم وسأل الرجعة فيقول: رب ارجعونلعلي أعمل صلحا فيما تركت[المؤمنون:99-100]، ثم يجيب نفسه فيقول: "قد رجعت ياربيع!!" فيرى فيه ذلك أياماً، أي يرى فيه العبادة والاجتهاد والخوف والوجل.
وعن أبي هريرة عن النبيقال: {إن الميت يصير إلى القبر، فيجلس الرجلالصالح في قبره غير فزع ولا شعوف ( أي غير خائف ولا مزعور ) ثم يقال له: فيم كنت؟فيقول: كنت في الإسلام فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات من عند اللهفصدقناه، فيقال له، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله: ثم يفرج له قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك، ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث، إشاء الله.
قال: ويجلس الرجل السوء فيقبره فزعا مشعوفاً، فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: ما هذا الرجل؟فيقول: سمعت الناس يقولون قولاً فقلته. فيفرج له قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها ومافيها، فيقال له: انظر ما صرف الله عنك. ثم يفرج له فرجه قبل النار، فينظر إليهايحطم بعضها بعضاً فيقال له: هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاءالله} [ابن ماجة وصححه البوصيري].
أرى أهل القصور إذا أميتـــــــوا *** بنوا فوق المقابر بالصخــور
أبوا إلا مباهاة وفخـــــــــــــــــراً *** على الفقراء حتى في القبور
لعمرك لو كشقت التــــرب عنهم *** فما تدري الغني من الفقــــير
ولا الجلدالمباشر ثوب صـــوف *** من الجلد المباشر للـــــحرير
إذا أكل الثرىهــــــــــــــذا وهذا *** فما فضل الغني على الفقير؟
فياإخوتاه! ألا تبكون من الموت وسكرته؟
ويا إخوتاه! ألا تبكون من القبر وضمته؟
ويا أخوتاه! ألا تبكون خوفاً من النار في القيامة؟
ويا أخوتاه! ألا تبكون خوفاً من العطش يوم الحسرة والندامة؟
عذاب القبر ونعيمه
أخي الكريم: ثبت عذاب القبر بالكتاب والسنة والإجماع، ولا ينكر ذلك إلا مكابرومعاند قال تعالى: سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم[التوبة:101].
وقال سبحانه: وحاق بئال فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليهاغدواً وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب[غافر:45،46].
وعن البراء بن عازبعن النبيأنه قال: يثبت الله الذين إمنوا بالقول الثابتقال: {نزلت في عذاب القبر. يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله،ونبي محمد، فذلك قولهعز وجل: يثبت الله الذين إمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [متفق عليه].
وعن أنس رضي الله عنه، أن النبيقال: {لولا أن تدافنوالدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر} [رواه مسلم].
وعن أبي هريرةقال: قال رسول الله: {إذا اقبرت الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقاللأحدهما المنكر، وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبدالله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فيقولان: قد كنانعلمك أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، ثميقال له: نم فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظهإلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه بذلك.
إن كان منافقاً قال: سمعتالناس يقولون فقلت مثله.. لا أدري فيقولان: قد كانا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثهالله من مضجعه ذلك} [الترمزي وقال: حسن غريب].
وعن أنسقال: قالنبي الله: {إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرعنعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأماالمؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله قال: فيقال له: إنظر إلى مقعدك من النار،قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة قال نبي اللهفيراهما جميعاً.
وأما المنافق والكافر فيقال له: ماكنت تقول في هذا الرحل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت ولاتليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقيلين} [متفق عليه].
حديث القبور
روي عن علي بن أبي طالبأنه قال في خطبته: "يا عباد الله: الموت الموت، فليس منه فوت، إن أقمتمله أخذكم، وإن فررتم منه أدر ككم، الموت معقود بنواصيكم، فالنجاة النجاة، الوحاالوحا، فإن وراءكم طالبا حثيثا وهو القبر، ألا وإ، القبر روضة من رياض الجنة، أوحفرة من حفر النيران، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة.. أنا بيت الوحشة.. أنا بيت الديدان ألا وإن وراء ذلك اليوم يوما أشد من ذلك اليوم،يوما يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبيروترى الناس سكرى وما هم بسكرى ولكنعذاب الله شديد[الحج:2].
وروى أسيد بن عبدالرحمن أنه قال: "بلغني أن المؤمن إذا مات فحمل قال: أسرعوا بي،فإذا وضع في لحده كلمته الأرض فقالت: كنت أحبك وأنت على ظهري، فأنت الآن أحب إلي فيبطني.
وإذا مات الكافر فحمل قال: ارجعوا بي، فإذا وضع في لحده كلمته الأرضفقالت: كمت أبغضك وأنت على ظهري، فأنت الآن أبغض إلي في بطني!!
ويقال: إن الأرض تنادي كل يوم فتقول:
يا ابن آدم تمشي على ظهري ومصيرك في بطني!!
يا ابن آدم تأكل الألوان على ظهري، وتأكلك الديدان في بطني!
يا ابن آدم تضحك على ظهري، فسوف تبكي في بطني!
يا ابن آدم تفرح على ظهري، فسوف تحزن في بطني!
يا ابن آدم تذنب على ظهري فسوف تعذب في بطني!
أيتها المقابر فيك *** من كنا ننازله
ومن كنا نتاجره *** ومن كنانعامله
ومن كنا نعاشره *** ومن كنا نطاوله
ومن كنا نشاربه *** ومن كناتؤاكله
ومن كنا له إلفا *** قليلاً ما نزايله
ومن كنا له بالأمس *** أحيانانواصله
فحل محله من حلها *** صرمت حبائله
ألا إن المنبة منهل *** والخلقناهله
زيارة القبور
أخي الحبيب:
حيث أن اله وسلم على زيارة الموتى في قبورهم، والأعتبار بأحوالهم، فقال عليهالصلاة والسلام: {زوروا القبور فإنها تذكر الموت} [رواه مسلم].
وقال النبي: {نهيتكم عن زيارة القبور فزروها} [رواهمسلم]، وعند أبي داود: {فإن في زيارتها تذكرة}، وعند الإمام أحمد: {فزوروها فإن فيزيارتها عبرة وعظة}.
وكان النبي صلى الله عليه إذا أتى المقابر قال: {السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم السابقون وإنا إن شاء اللهبكم لا حقون، أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، أسأل الله لنا ولكم العافية} [رواه مسلم].
وفي زيارة القبور فوائد كثيرة منها أنها:
1- تذكر الموت والآخرة. 2- تقصر الأمل. 3- تزهد في الدنيا. 4- ترقق القلوب. 5- تدمع الأعين. 6- تدفع الغفلة. 7- تورقث الخشية. 8- تورث الاجتهاد في العبادة.
قال محمد بن واسع لرجل: "ما أعجب إلى منزلك! فقال: وما بعجبك من منزلي وهو عندالقبور؟ قال: وما عليك، يكفون الأذى ويذكرون الآخرة!!".
الأسباب الموجبة لعذاب القبر
أخي المسلم الموفق: ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن أهل القبور يعذبون علىجهلهم بالله، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثرغضب الله وسخطه على عبده، فعذاب القبر يكون على معاصي القلب، والعين، والأذن،والفم، واللسان، والبطن، والفرج، واليد،، والرجل، والبدن كله، فمن أغضب الله واسخطهفي هذه الدار ثم لم يتب، ومات على ذلك، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطهعليه، فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب.
وقد ورد الوعيد بالعذاب في القبر على كثير من المعاصي والذنوب منها:
1- النميمة والغيبة. 2- عدم الاستبراء من البول. 3- الصلاة بغير طهور. 4- الكذب. 5- تضييع الصلاة والتثاقل عنها. 6- ترك الزكاة. 7- الزنى. 8-الغلول من المغنم (السرقة). 9- الخيانة. 10- السعي في الفتنة بين المسلمين. 11- أكل الربا. 12- تركنصرة المظلوم. 13- شرب الخمر. 14- إسبال الثياب تكبراً. 15- القتل. 16- سب الصحابة. 17- الموت على غير السنة (البدعة).
وقال رحمه الله بعد أن ذكر أنواع كثيرة من المحرمات التي يعذب بها الموتى فيقبورهم: "وما كان أكثر الناس كذلك، كان أكثر أهل القبور معذبين، والفائز منهم قليل،فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات وعذاب ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشةمبنيات، وفي باطنها الدواهي والبليات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها،ويحق لها وقد حيل بينها وبين أمانيها.. تالله لقدت وعظت لواعظ مقالا، ونادت: ياعمار الدنيا لقد عمرتم دارا موشكة بكم زوالا، وخربتم دارا انتم مسرعون إليهاانتقالا هذه دار الاستيفاء، ومستودع الأعمال، وبذر الزرع، وهي محل للعبر، رياض منرياض الجنة، أو حفر من حفر النيران".
ما للمقابر لا تجيب *** إذا دعاهن الكئيب
حفر مسقفة عليهن *** الجنادل والكثيب
فيهن ولدان وأطفال *** وشبان وشيب
كم من حبيب لم تكن *** نفسي بفرقته تطيب
غادرته في بعضهن *** مجندلاً وهو الحبيب
وسلوت عنه وإنما *** عهدي برؤيته قريب
فاعتبروا يا أولي الأبصار
إخواني: كم من ظالم تعدى وجار، فما راعي الأهل ولا الجار، بينا هو عقد الإصرار،حل به الموت فحل من حلته الأزرارفاعتبروا يا أولي الأبصار.
ما صحبه سوى الكفن، إلى بيت البلى والعفن، ولو رأيته وقد حلت به المحن، وشين ذلكالوجه الحسن، فلا تسأل كيف صارفاعتبروا يا أولي الأبصار.
أين مجالسة العالية؟ أين عيشته الصافية؟ أين لذاته الخالية؟ كم كم تسفى على قبرهسافية!! ذهبت العين وأخفيت الآثارفاعتبروا يا أولي الأبصار.
تقطعت به جميع الأسباب، وهجره القرناء والأتراب، وصار فراشه الجندل والتراب،وربما فتح له في اللحد باب إلى النارفاعتبروا يا أولي الأبصر.
نادم بلا شك ولا خفا، باك على ما زل وهفا، يود أن صافي اللذات ما صفا، وعلم انهكان يبني على شفا جرف هارفاعتبروا يا أولي الأبصر.
الأسباب المنجية من عذاب القبر
وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن أسباب النجاة من عذاب اقبر، هي أن يتجنبالإنسان تلك الأسباب التي تقتضي عذاب القبر، وهي جميع المعاصي والذنوب.
وذكر رحمه الله أن من أنفع تلك الأسباب: أن يحاسب المرء نفسه كل يوم على ما خسرهوربحه في يومه، ثم يجدد التوبة، النصوح بينه وبين الله، فينم على تلك التوبة، فإنمات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبلا للعمل، مسرورا بتأخير أجله،حتى يستقبل ربه ويستدرك ما فاته، ولا ينام إلا على طهارة، ذاكراً الله عز وجل،مستعملاً الأذكار والسنن التي ورت عن الرسولعند النوم حتى يغلبه النوم، فمن أراد الله به خيراً وفقهلذلك.
ثم ذكر رحمه الله الطاعات التي ورد أنها مما ينجي من عذاب القبر وهي:
1- الرباط في سبيل الله.
2- الشهادة في سبيل الله.
3- قراءة سورة الملك.
4- الموت بداء البطن.
5- الموت يوم الجمعة.
الثبات عند الموت
قال الفقيه أبو الليث المرقندي: ويكون التثبيت في ثلاثة أحوال، لمن كان مؤمنامخلصا مطيعا لله تعالى:
أحدهما: في حال معاينة ملك الموت.
ثانيها: في حال سؤال منكر ونكير.
وثالثها: في حال سؤاله عند المحاسبة يوم القيامة.
فأما التثبيت عند معاينة ملك الموت فهو على ثلاثة أوجه:
الأول: العصمة من الكفر، وتوفيق الاستقامة على التوحيد، حتى تخرج روحه وهو علىالإسلام.
والثاني: أن تبشره الملائكة بالرحمة.
والثالث: أن يرى موضعه من الجنة.
وأما التثبيت في القبر فهو على ثلاثة اوجه:
الأول: أن يلقنه الله تعالى الصواب[، حتى يجيب الملكين بما يرضى عنه الرب.
والثاني: أن يزول عنه الخوف والهيبة والدهشة.
والثالث: أن يرى مكانه في الجنة، فيصير القبر روضة من رياض الجنة.
وأما التثبيت عند الحساب فعلى ثلاثة أوجه:
الأول: أن يلقنه الحجة عما يسأل عنه.
والثاني: يسهل عليه الحساب.
والثالث: أن يتجاوز عنه الزلل والخطايا.
فالواجب على كل مسلم أن يستعيذ بالله تعالى من عذاب القبر، وأن يستعد لهبالأعمال الصالحة قبل أن يدخل فيه، فإنه قد سهل عليه الأمر ما دام في الدنيا، فإذادخل القبر فإنه يتمنى أن يؤذن له بحسنة واحدة أو يؤذن بأن يصلي ركعتين، أو يقول: لاإله إلا الله، محمد رسول الله ولو مرة واحدة، أو يؤذن له بتسبيحه واحدة، فلا يؤذنله، فيبقى في حسرة وندامة، ويتعجب من الأحياء كيف يضيعون أيامهم في الغفلةوالبطالة؟!
قد كان عمرك ميلا *** فأصبح الميل شبرا
وأصبح الشبر عقدا *** فاحفرلنفسك قبرا
نسأل الله أن يوفقنا للاستعداد ليوم الحاجة، ولا يجعلنا من النادمين، وأن يجعل القبور بعد فراق الدنيا خير منازلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه،