عبدالله أبو بكر
12/03/03, 12 :07 12:07:35 AM
السلام عليكم
المصدر :: مجلة شباب الأهرام عدد يناير 2003
حوار:عباس فوزي المليجي
إستمع إلى مقطع من تلاوة الشيخ
www.qquran.com/sh3esha3/aya.rm
http://www.qquran.com/del/sheekh.jpg
بلغ الشيخ ابو العينين شعيشع الثمانين من عمره المديد بإذن الله, وخلال مشواره مع قراءة القرآن الكريم تنقل بين محطات كثيرة وسافر إلي العديد من دول العالم, وشغل مناصب عديدة ولا يزال عطاؤه مستمرا.
وفي هذا الحوار يستعيد عميد القارئين ذكرياته, ويتحدث عن الفترة التي عاشها في فلسطين, وكيف انه كان اول قارئ مصري يقرأ القرآن الكريم في المسجد الاقصي, كما يتحدث عن صراع القراء من أجل المكسب المادي, وتقليدهم لبعضهم البعض, ودور نقابة القارئين في توفير مستوي معيشي مناسب لهم.
ودار الحوار كما يلي:
* رحلتك مع القرآن.. كيف ومتي بدأت؟
** ولدت في قرية بيلا بمحافظة كفر الشيخ وأنا الطفل الثاني عشر لاسرتي وكان اخي الأكبر الشيخ أحمد شعيشع قارئا للقرآن الكريم قبلي وكانت بداخلي رغبة شديدة للاتجاه نحو قراءة القرآن مثل الشيوخ الذين كانوا يأتون الي قريتنا من القاهرة والمنصورة لاحياء المناسبات المختلفة.
ولم أكن أميل إلي اللعب مع الأطفال الصغار بالرغم من أن عمري كان5 سنوات فقط وإنما كنت أذهب لمجالس القراء لأستمع إليهم وفي مرات كثيرة نمت ولم يشعر احد بوجودي الا في نهاية السهرة.
ومن كثرة ذهابي الي هذه المجالس عرفني الناس وكانت أسرتي عندما تريد ان تبحث عني تبدأ بأماكن العزاء وبعد ذلك التحقت بكتاب الشيخ يوسف شتا وهو من كبار علماء الازهر فحفظت القرآن في عامين وكان عمري وقتها12 عاما وذاع اسمي في البلاد المجاورة وبدأوا يطلبونني للقراءة في المناسبات وأحييت أول ليلة في عام1936 وكان عمري13 سنة حيث اقامت محافظة الدقهلية احتفالا رسميا بذكري الشهداء في المنصورة وحضره الآلاف وكان يقام في احدي المدارس وعندما وجد الحاضرون أني صبي صغير سخروا مني فلم يكن مألوفا أن يقرأ في هذا السرادق طفل صغير.. ولكني صعدت الي المنصة بثبات وبدأت في القراءة بقوله تعالي ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فصاحوا جميعا الله أكبر وشعرت أن الأرض تهتز بي وحملوني علي أعناقهم وبعد ذلك بعام واحد التحقت بالإذاعة وعمري17 سنة وكان لابد أن أثبت وجودي وسط أعظم القراءة في العالم الاسلامي والحمد لله وفقت في إثبات وجودي بينهم لأنني دائما مخلص لله في قراءتي للقرآن وذاعت شهرتي في مصر والعالم الاسلامي وسافرت الي العديد من الدول الاسلامية لذا اشتهرت بالقاريء الرحالة ومازلت أقرأ حتي الآن وردا ثابتا يوميا لكل اظل حافظا له.
وكان والدي يتمني أن أكون ضابطا ولكن لم تكن لي ميول للالتحاق بكلية الشرطة وفضلت أن أكون قارئا للقرآن وساعدتني والدتي علي ذلك.
* ماهي المدرسة التي تنتمي إليها في تلاوة القرآن؟
** انا من مدرسة الإحساس بمعاني القرآن الكريم وهي مدرسة الشيخ محمد رفعت والشيخ محمد صديق المنشاوي. وكان الشيخ محمد رفعت أول قاريء انبهرت به عندما سمعته في الإذاعة في الثلاثينيات فلقد كان يقرأ في تبتل ويمتاز بالخشوع والتعبير عن معاني الآيات بصوت جميل عذب كأنه قادم من الجنه فتشبعت به وقلدته وكذلك الشيخ علي حزين الذي كان قارئا لامعا وأدين له بالفضل والتوجيه في حياتي فقد حافظ علي التلاوة الصحيحة وايضا الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي وكلهم من الاصوات القديمة المتميزة.
* كيف دخلت الإذاعة قارئا للقرآن الكريم لأول مرة؟
** كان عمري وقتها17 عاما واذكر انه في اثناء إحيائي لأحد المآتم عام39 كان المرحوم الشيخ عبدالله عفيفي الامام الخاص للملك فاروق موجودا في العزاء فلما سمع صوتي قال لي: لن ترجع الي بيلا مرة أخري وطلب أن يقدمني للاذاعة فجاء معي لمقابلة سعيد باشا لطفي مدير الاذاعة المصرية وقتها والسيد فيرجسون المدير الانجليزي أيضا وقرر عقد امتحان لي في أسرع وقت وأمام لجنة مكونة من كبار العلماء, منهم الشيخ أحمد شوربتي والدكتور ابراهيم مصطفي عميد كلية دار العلوم والاستاذ مصطفي رضا مدير معهد الموسيقي واستغرق امتحاني نصف ساعة وبعد ذلك تعاقدت مع الاذاعة بـ12 جنيها في الشهر في ست اذاعات مصرية كأصغر قارئ للقرآن الكريم لها وكان معي الشيخ محمد رفعت والشيخ عبدالفتاح الشعشاعي.
* كيف أصبحت قارئا للملك فاروق؟
** كان ذلك بعد التحاقي بالاذاعة عام39 حيث كنت أقرأ مرتين في الاسبوع مع الشيخ محمد رفعت ثم أعود لبلدتي حتي موعد الاذاعة وذات مرة جاء مأمور مركز طلخا إلينا وطلب مني ان اسافر في اليوم التالي الي القاهرة لمقابلة المسئولين في قصر عابدين فارتجفت في بادئ الأمر وفي اليوم التالي قابلت احمد باشا حسنين وهو رئيس الديوان الملكي للملك فاروق فقال لي إن الملك فاروق ابدي اعجابه بتلاوتي في الاذاعة وطلب مني أن أشارك استاذي الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي القراءة في ليالي رمضان بقصر عابدين وكان الملك فؤاد ينزل من جناحه ويجلس الي جوارنا في صمت وخشوع للاستماع للقرآن.
وكان هناك خلاف بين الملك وحزب الوفد برئاسة النحاس باشا ولا أعرف هل كان يحيي هذه الليالي مقربا الي الله ام أنه كان يريد أن يعرف الانجلير مدي حب الناس له ووقوف الشعب الي جواره وأذكر ذات مرة ونحن في القصر وكان الملك يجلس بجوارنا وبعد قليل جاء الساقي الموجود في القصر يحمل عددا كبيرا من اكواب المياه الغازية والمرطبات وعندما اقترب من الملك وقع كل ما بيده علي الملك لدرجة انه استحم بالمياه الغازية كلها ووقع علي الأرض من هول المفاجأة وساعده مرافقوه علي العودة مرة اخري للجلوس علي الكرسي وكان الملك ثابتا ولم يتحرك ولم يبد غضبه علي ماحدث من الساقي ولو كان قد امتعض من ذلك لتم إعدام الساقي في الحال وهو مالم يحدث.
* ماهي ذكرياتك مع الرئيس جمال عبدالناصر والسادات؟
** الرئيس جمال عبدالناصر كان يقيم بالقرب من منزلي وكان لي قريب يعمل ضابطا اسمه محمد المنشاوي ويقيم في منزل مواجه مباشرة لمنزل الزعيم عبدالناصر وكان أعضاء مجلس قيادة الثورة وعبدالحكيم عامر يجتمعون معه فعندما كنت أزور قريبي أراه وكان شخصية جذابة ويقدر قاريء القرآن فقد كان يستمع الي القرآن في إنصات وخشوع وكنت أقرأ في المناسبات الخاصة به كثيرا وقد حضر الرئيس عبدالناصر حفلا في قريتي( بيلا) بمناسبة ثورة يوليو وقرأت القرآن في هذه المناسبة وكانت علاقتي وطيدة معه.
اما الرئيس أنور السادات فقد كان صوته جميلا جدا في قراءة القرآن وسمعته اكثر من مرة في أثناء القراءة وكان صوته عميقا.
وكانت له نبرة مميزة وأتذكر أنه في احد الاحتفالات التي أقيمت في جامعة عين شمس وكنت أقرأ القرآن فيه وعندما هم بمغادرة المكان غير وجهته فبدلا من ان يخرج من الباب المجاور له اتجه نحوي فنبهه الحرس الخاص والمرافقون له الي انه ليس باب الخروج فقال لهم بصوت مسموع للجميع أنا رايح اسلم علي عمي الشيخ ابو العينين فقلت له: بل أنا سوف آتي إليك.. فرد علي قائلا: بل أنا الذي يجب أن يأتي اليك.. فكان الرئيس السادات من محبي قراءة القرآن ومحبي قرائه ولا يمكن أن أنسي هذا الموقف ابدا.
* وماذا عن ذكرياتك في فلسطين؟ وقراءتك للقرآن في المسجد الاقصي؟
** في عام42 جاءني مدير اذاعة الشرق الأدني بفلسطين وكان مستشرقا انجليزيا وقائدا للطيران في الجيش الانجليزي إسمه شمس الدين وتعاقد معي علي الاقامة في يافا قبل الاحتلال الاسرائيلي لمدة ستة أشهر ولاقت قراءتي رضا وقبول الناس, ورشحني الدكتور طه حسين للقراءة ودعاني الملك عبدالله الاول ملك الاردن إلي زيارة عمان لمدة ثلاثة ايام واهداني وساما من الطبقة الاولي. وبعد ثلاثة أشهر اشتقت الي والدتي وبلدي وكان والدي قد توفي وعمري سبع سنوات ولم أكن قد فارقت امي كل هذا الوقت من قبل ولكن مدير الاذاعة لم يمكنني من السفر لوجود عقد يجب الالتزام به لمدة ستة أشهر, وتألمت كثيرا خاصة أن جواز سفري معهم وكانوا يوفرون لي سيارة يقودها جندي انجليزي ويظل معي طوال النهار حتي أحضر وكان يفهمني بالإشارة. وبعد فترة بسيطة اشتدت رغبتي إلي رؤية والدتي فتحدثت إلي صديق فلسطيني في يافا اسمه يوسف بامية وهو من أعيان يافا وكانت له علاقات كبيرة بالمسئولين في حكومة الانتداب الإنجليزي علي فلسطين واستطاع الحصول علي جواز سفري وحجز لي تذكرة القطار حيث كانت خطوط السكة الحديد ممتدة من فلسطين حتي القاهرة.. وبعد فترة جاء مدير الإذاعة في فلسطين وطلب مني العودة معه بعد أن اطمأننت علي والدتي, فلم أجد مانعا من العودة وكنت أقرأ القرآن في إذاعتين, هما إذاعة القدس وإذاعة الشرق الأدني وكانت فلسطين في ذلك الوقت بلدا آمنا تنتشر فيها قبور الأنبياء, ومدنها وقراها جميلة وتتميز بحدائق الموالح وأنا أول قارئ مصري يقرأ القرآن في المسجد الأقصي في صلاة الجمعة وأرجو من الله أن تتحرر فلسطين وأن نعود لقراءة القرآن في المسجد الأقصي كما كان الحال عام1942.
* هل تقوم بإحياء الليالي الدينية في المناسبات حتي الآن؟
** عمري الآن80 عاما ولايزال يطلب مني احياء الليالي الدينية فألبي بعض الدعوات الموجهة من الدول الإسلامية بالإضافة إلي عملي بالمجلس الأعلي للشئون الإسلامية واللجنة العليا بوزارة الأوقاف ولجنة عمارة مساجد القاهرة ورئاسة المعهد الدولي للقرآن الكريم كما أنني عضو لجنة اختيار القراء في الإذاعة والتليفزيون ورئيس مجلس إدارة مسجد الخلفاء الراشدين. ونقيب قراء القرآن الكريم.. وكل هذه المسئوليات تستنفد جزءا كبيرا من وقتي.
* كرئيس لنقابة القراء ما هو دوركم في خدمة النقابة؟!
** أهتم برعاية مصالح القراء منذ أن بدأت النقابة نشاطها عام83 وأسعي جاهدا لزيادة معاش القارئ لأن معاشه15 جنيها فقط!! ولا توجد موارد تعتمد عليها النقابة فمعظمها من قيمة الاشتراكات والاشتراك لايتعدي جنيها واحدا في الشهر.. ونسعي إلي زيادة معاش القارئين وزيادة الدعم لهم من وزارة الأوقاف سنويا بحيث يصبح500 ألف جنيه سنويا حيث يزيد عدد القراء علي5 آلاف قارئ.
وأطالب باستثمار وتوظيف خبرات المشايخ وهذا يضاعف من الفائدة التي تجنيها الدعوة وأتساءل: أين مشروع تكريم معلمي القرآن الكريم فلقد كان هناك مشروع لم يكتمل وأطالب بإحياء هذه الفكرة التي اقترحتها من قبل حتي لا يكون التكريم للشباب المتفوقين فقط وإنما يشمل الشيوخ أيضا.
*ما هي شروط الانضمام لنقابة حفظة القرآن وما هي أهدافها؟
** شروطها أن يحفظ الشاب القرآن الكريم كاملا, ويتم اختباره أمام اللجنة الخاصة بالاختيار.
وأهدافها هي المحافظة علي قراءة القرآن في مصر والعالم ومتابعة القارئين.
* أنت القارئ الوحيد الذي ظهر علي شاشة التليفزيون في أعمال فنية.. فماذا تذكر عن الأدوار التي قمت بها؟
** كان ذلك في ثلاثة أفلام فقد ظهرت في فيلم النائب العام في دور طالب أزهري يقرأ القرآن في المسجد ثم في فيلم ابن عنتر وقمت فيه بدور فتي أعرابي من قبيلة تعادي قبيلة أخري وتم الصلح علي يدي بعد أن قرأت لهم آيتين. ثم ظهرت في فيلم في صحتك حيث كان دوري هو قراءة القرآن في مأتم حبيبة البطل!! ولم أستمر في مجال التمثيل لأني وجدت أن التفرغ لقراءة القرآن أفضل لي كثيرا من هذا المجال..
وأنا أجيد العزف علي العود وأحب كرة القدم وأشجع النادي الأهلي وكان لي أصدقاء قدامي كثيرون منهم حنفي بسطان ومحمد الجندي, أما الآن فأكتفي بمشاهدة كرة القدم في التليفزيون.
* هل تتذكر أول أجر تقاضيته عن قراءتك للقرآن وماذا عن أكبر أجر حصلت عليه حتي الآن؟
** عندما كنت طالبا صغيرا أقرأ القرآن في الكتاب كان لي ورد دائم كل ليلة طوال شهر رمضان عند إحدي العائلات في قريتي وكنت أحصل مقابل ذلك علي150 قرشا. أما عن أكبر أجر حصلت عليه فكان من أمير الكويت السابق عبد الله سالم الصباح بعد إحيائي شهر رمضان هناك وحصلت علي خمسة آلاف دينار كويتي وكان ذلك في الستينيات وكان مبلغا ضخما في ذلك الوقت.
* لماذا قلدت صوت الشيخ محمد رفعت وهل قام أحدا بتقليدك؟
** لأنني كنت دائم الاستماع إليه في مسجد فاضل باشا ومن أشد المعجبين بصوته فكنت أحرص علي الجلوس بالقرب من مجلسه ولم أكن في ذلك الوقت معروفا سوي لأبناء قريتي وأذكر أنني ذات يوم كنت أجلس في المسجد لأستمع إليه وأنا أرتدي الطربوش وكان هناك شخص واحد يعرفني فاقترب من الشيخ الجليل محمد رفعت وهمس في أذنه قائلا هناك شيخ صغير يسمي أبو العينين شعيشع اعتاد تقليد صوتك وطريقتك في قرآءة القرآن فقال له: لا أحد يقلد أحدا وإنما هي موهبة من عند الله وأنا سعيد تمام السعادة بذلك وقمت علي الفور وعرفته بنفسي وانحنيت لأقبل يده ولكنه سارع بتقبيل يدي أنا فأعطاني يومها وكل من حولي درسا في التواضع الشديد وهذا الدرس عملت به طوال حياتي حتي الآن لذا كنت أقوم بتقليده دائما وكان صوتي قريب الشبه من صوته لدرجة أن مسئولي الإذاعة طلبوا مني تسجيل بعض السور الخاصة بالشيخ محمد رفعت بصوتي للمحافظة علي تسجيلاته كاملة.
أما عمن يقلدني فإنني أذكر أنني في أثناء زيارتي لأفغانستان سمعت أحد الأطفال وهو يقرأ القرآن الكريم وكان صوته يقترب كثيرا من صوتي فسعدت جدا بذلك علي الرغم من اختلاف اللغة وهي المرة الوحيدة التي سمعت صوتا يشبه صوتي.
* ماذا عن ذكرياتك في السعودية وقصة دخولك الكعبة؟
** دعيت من الملك فيصل لأداء فريضة الحج وتسجيل المصحف المرتل فذهبت وسجلت جزءا كبيرا من القرآن حتي جاء موعد الحج وحيث يقوم الملك بالإشراف علي غسل الكعبة وكانت أمنيتي أن أدخل الكعبة والحمد لله نلت شرف دخولها والصلاة بها والمشاركة في غسلها ببركة دعائي وعطاء الله لي حيث اتصلت بمرافقي وكان اسمه رشاد غمراوي وقال لي إنه سيأتي لي بدعوة لدخول الكعبة ولم يكن ذلك مسموحا إلا لعدد محدود جدا ممن يتلقون دعوات خاصة من الملك وعندما ذهبت الي الفندق الذي أقيم به لم أجد مرافقي فجلست في ركن من الفندق منهارا وأبكي بشدة ورجوت الله أن يتقبل حجي وأن يمنحني شرف دخول الكعبة وبينما أنا أدعو الله إذا برجل لا أعرفه يقول لي هل تريد دخول الكعبة فأشرت له بأنها أمنيتي فأعطاني تذكرة الدخول لها ولم أره بعدها فلا أعرف أين ذهب ومن أين أتي ولكني لم أفكر في شيء إلا أن أجري نحو الكعبة فدخلتها وأنا في قمة سعادتي وبدأت في تنظيف أركانها بالشال الذي كنت أرتديه ومازلت أحتفظ به حتي الآن.
وهذه الذكري لا يمكن أن أنساها أبدا.
* هل قرأت القرآن في مأتم والدك أو والدتك بعد ذلك؟
** قرأت في مدفن والدي حيث كان من المتعارف عليه في بلدنا عندما يتوفي أحد الأشخاص يأتي أهل المتوفي ليلا بعدد من القارئين ليقرأوا علي قبره وذهبت مع عدد من المشايخ للقراءة وقرأنا ما تيسر من القرآن.
* لماذا كان يذكر اسمك في الإذاعة والتليفزيون مسبوقا بلقب المرحوم؟
** لقد آلمني ذلك أشد الألم وأثار في نفسي حزنا عميقا فلقد كنت واحدا من مؤسسي الإذاعة وأول قارئ مصري سجل القرآن بصوته علي اسطوانات تجارية لدرجة أنني بعد30 سنة من تسجيلها اجدها منتشرة في الجزائر والمغرب.. ولكني فوجئت في فترة من الفترات بمن يريد استبعادي من الإذاعة بحجة أنني كنت قارئا للملك! صحيح أنني كنت أقرأ عند الملك ولكن القرآن ليس حكرا علي أحد.. والملك كغيره من البشر دعاني للقراءة فلبيت الدعوة.. وأنا من القراء الذين جذبوا أسماع مسلمي العالم لسماع القرآن في مصر.. وقد حذرتهم من أن يسبقوا اسمي بكلمة المرحوم وأنا حي أرزق ولكنهم أصروا علي ذلك فرفعت دعوي وكسبتها.
*ولماذا لم يتجه أحد من أبنائك إلي قراءة القرآن مثلك؟
** لم أجبر أحدا من أبنائي علي أن يكرر تجربتي فلكل منهم تفكير خاص به وميول معينة فابني الأكبر محمود مهندس في بنك الائتمان الزراعي والثاني دكتور محمد أستاذ في جامعة لوس انجلوس منذ15 عاما والثالثة مني وهي خريجة كلية الترجمة الفورية جامعة الأزهر ولا تعمل.
* ماهي الأوسمة التي حصلت عليها؟
** لقد حصلت علي العديد من الأوسمة من الدول التي زرتها فحصلت علي وسام الاستحقاق الديني من الدرجة الأولي من سوريا من الملك عبدالله شكري القوتلي وقال لي لقد بدأنا حياتنا علي صوتك ووسام الرافدين من الدرجة الأولي من العراق علي الرغم من أن مناسبة الزيارة كانت حزينة لوفاة أم الملك فيصل فتقديرا للقرآن أعطاني الوسام. وحصلت علي وسام الأرز من لبنان. كما نلت أوسمة من الأردن والصومال وتركيا وباريس وقمت بترتيل القرآن مع الشيخ عبدالباسط في أبي ظبي بدعوة من الشيخ زايد لمدة عشر سنوات متتالية. وحصلت أخيرا علي وسام الامتياز من الدرجة الأولي من الرئيس حسني مبارك في الاحتفال بليلة القدر.
* ما تقويمك لقراءة القرآن بأجر هل تراه عملا أم تجارة؟
** القضية ليست قضية تجارة أو فن يباع, وإنما هذا الأجر هو علي الوقت المستقطع من القاريء.
وليس علي التلاوة. فالقارئ إنسان ولابد أن يحيا حياة كريمة هو وأولاده.. أما الأجيال الجديدة من القراء فقد بدأت تنظر للموضوع كتجارة وتفتقد هواية التلاوة التي كانت الأجيال القديمة متميزة بها ولا يعجبني بعض من يتسولون بالقرآن من بعض المشايخ اليوم وما يحدث من صراعات بين القراء من أجل الكسب المادي.
* لماذا اختفت الأصوات القوية من القارئين؟
** السبب في ذلك يتحمله القارئون فهم دائما يستعجلون الشهرة ويتعجلون الكسب المادي ولا يعطون فرصة لأصواتهم للاستراحة لكي يزداد تألقها. فهم دائما في حالة إجهاد ولهث وراء المادة, فضلا عن اعتمادهم علي مكبرات الصوت التي تمنح أصواتهم تألقا مغشوشا.
أيضا فإن هناك من يؤيدون بعض القارئين في أدائهم وبالتالي تأثرت قدرتهم علي القراءة بشكل مميز.
والحقيقة أن البحث عن القارئين الجيدين يلقي اهتماما خاصا من الرئيس حسني مبارك كل عام في الاحتفال بالمولد النبوي وليلة القدر.
* من هم أفضل القراء علي الساحة حاليا؟
** هناك أصوات تبشر بالخير مثل الشيخ محمد جبريل فهو صاحب صوت جميل في الترتيل والشيخ عبدالوهاب الطنطاوي والمهم في القارئ قراءته وليس هيئته ويجب ان يرتدي زيا محتشما والأفضل أن يضع شيئا علي رأسه كالعمامة أو الطاقية.
المصدر :: مجلة شباب الأهرام عدد يناير 2003
حوار:عباس فوزي المليجي
إستمع إلى مقطع من تلاوة الشيخ
www.qquran.com/sh3esha3/aya.rm
http://www.qquran.com/del/sheekh.jpg
بلغ الشيخ ابو العينين شعيشع الثمانين من عمره المديد بإذن الله, وخلال مشواره مع قراءة القرآن الكريم تنقل بين محطات كثيرة وسافر إلي العديد من دول العالم, وشغل مناصب عديدة ولا يزال عطاؤه مستمرا.
وفي هذا الحوار يستعيد عميد القارئين ذكرياته, ويتحدث عن الفترة التي عاشها في فلسطين, وكيف انه كان اول قارئ مصري يقرأ القرآن الكريم في المسجد الاقصي, كما يتحدث عن صراع القراء من أجل المكسب المادي, وتقليدهم لبعضهم البعض, ودور نقابة القارئين في توفير مستوي معيشي مناسب لهم.
ودار الحوار كما يلي:
* رحلتك مع القرآن.. كيف ومتي بدأت؟
** ولدت في قرية بيلا بمحافظة كفر الشيخ وأنا الطفل الثاني عشر لاسرتي وكان اخي الأكبر الشيخ أحمد شعيشع قارئا للقرآن الكريم قبلي وكانت بداخلي رغبة شديدة للاتجاه نحو قراءة القرآن مثل الشيوخ الذين كانوا يأتون الي قريتنا من القاهرة والمنصورة لاحياء المناسبات المختلفة.
ولم أكن أميل إلي اللعب مع الأطفال الصغار بالرغم من أن عمري كان5 سنوات فقط وإنما كنت أذهب لمجالس القراء لأستمع إليهم وفي مرات كثيرة نمت ولم يشعر احد بوجودي الا في نهاية السهرة.
ومن كثرة ذهابي الي هذه المجالس عرفني الناس وكانت أسرتي عندما تريد ان تبحث عني تبدأ بأماكن العزاء وبعد ذلك التحقت بكتاب الشيخ يوسف شتا وهو من كبار علماء الازهر فحفظت القرآن في عامين وكان عمري وقتها12 عاما وذاع اسمي في البلاد المجاورة وبدأوا يطلبونني للقراءة في المناسبات وأحييت أول ليلة في عام1936 وكان عمري13 سنة حيث اقامت محافظة الدقهلية احتفالا رسميا بذكري الشهداء في المنصورة وحضره الآلاف وكان يقام في احدي المدارس وعندما وجد الحاضرون أني صبي صغير سخروا مني فلم يكن مألوفا أن يقرأ في هذا السرادق طفل صغير.. ولكني صعدت الي المنصة بثبات وبدأت في القراءة بقوله تعالي ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فصاحوا جميعا الله أكبر وشعرت أن الأرض تهتز بي وحملوني علي أعناقهم وبعد ذلك بعام واحد التحقت بالإذاعة وعمري17 سنة وكان لابد أن أثبت وجودي وسط أعظم القراءة في العالم الاسلامي والحمد لله وفقت في إثبات وجودي بينهم لأنني دائما مخلص لله في قراءتي للقرآن وذاعت شهرتي في مصر والعالم الاسلامي وسافرت الي العديد من الدول الاسلامية لذا اشتهرت بالقاريء الرحالة ومازلت أقرأ حتي الآن وردا ثابتا يوميا لكل اظل حافظا له.
وكان والدي يتمني أن أكون ضابطا ولكن لم تكن لي ميول للالتحاق بكلية الشرطة وفضلت أن أكون قارئا للقرآن وساعدتني والدتي علي ذلك.
* ماهي المدرسة التي تنتمي إليها في تلاوة القرآن؟
** انا من مدرسة الإحساس بمعاني القرآن الكريم وهي مدرسة الشيخ محمد رفعت والشيخ محمد صديق المنشاوي. وكان الشيخ محمد رفعت أول قاريء انبهرت به عندما سمعته في الإذاعة في الثلاثينيات فلقد كان يقرأ في تبتل ويمتاز بالخشوع والتعبير عن معاني الآيات بصوت جميل عذب كأنه قادم من الجنه فتشبعت به وقلدته وكذلك الشيخ علي حزين الذي كان قارئا لامعا وأدين له بالفضل والتوجيه في حياتي فقد حافظ علي التلاوة الصحيحة وايضا الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي وكلهم من الاصوات القديمة المتميزة.
* كيف دخلت الإذاعة قارئا للقرآن الكريم لأول مرة؟
** كان عمري وقتها17 عاما واذكر انه في اثناء إحيائي لأحد المآتم عام39 كان المرحوم الشيخ عبدالله عفيفي الامام الخاص للملك فاروق موجودا في العزاء فلما سمع صوتي قال لي: لن ترجع الي بيلا مرة أخري وطلب أن يقدمني للاذاعة فجاء معي لمقابلة سعيد باشا لطفي مدير الاذاعة المصرية وقتها والسيد فيرجسون المدير الانجليزي أيضا وقرر عقد امتحان لي في أسرع وقت وأمام لجنة مكونة من كبار العلماء, منهم الشيخ أحمد شوربتي والدكتور ابراهيم مصطفي عميد كلية دار العلوم والاستاذ مصطفي رضا مدير معهد الموسيقي واستغرق امتحاني نصف ساعة وبعد ذلك تعاقدت مع الاذاعة بـ12 جنيها في الشهر في ست اذاعات مصرية كأصغر قارئ للقرآن الكريم لها وكان معي الشيخ محمد رفعت والشيخ عبدالفتاح الشعشاعي.
* كيف أصبحت قارئا للملك فاروق؟
** كان ذلك بعد التحاقي بالاذاعة عام39 حيث كنت أقرأ مرتين في الاسبوع مع الشيخ محمد رفعت ثم أعود لبلدتي حتي موعد الاذاعة وذات مرة جاء مأمور مركز طلخا إلينا وطلب مني ان اسافر في اليوم التالي الي القاهرة لمقابلة المسئولين في قصر عابدين فارتجفت في بادئ الأمر وفي اليوم التالي قابلت احمد باشا حسنين وهو رئيس الديوان الملكي للملك فاروق فقال لي إن الملك فاروق ابدي اعجابه بتلاوتي في الاذاعة وطلب مني أن أشارك استاذي الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي القراءة في ليالي رمضان بقصر عابدين وكان الملك فؤاد ينزل من جناحه ويجلس الي جوارنا في صمت وخشوع للاستماع للقرآن.
وكان هناك خلاف بين الملك وحزب الوفد برئاسة النحاس باشا ولا أعرف هل كان يحيي هذه الليالي مقربا الي الله ام أنه كان يريد أن يعرف الانجلير مدي حب الناس له ووقوف الشعب الي جواره وأذكر ذات مرة ونحن في القصر وكان الملك يجلس بجوارنا وبعد قليل جاء الساقي الموجود في القصر يحمل عددا كبيرا من اكواب المياه الغازية والمرطبات وعندما اقترب من الملك وقع كل ما بيده علي الملك لدرجة انه استحم بالمياه الغازية كلها ووقع علي الأرض من هول المفاجأة وساعده مرافقوه علي العودة مرة اخري للجلوس علي الكرسي وكان الملك ثابتا ولم يتحرك ولم يبد غضبه علي ماحدث من الساقي ولو كان قد امتعض من ذلك لتم إعدام الساقي في الحال وهو مالم يحدث.
* ماهي ذكرياتك مع الرئيس جمال عبدالناصر والسادات؟
** الرئيس جمال عبدالناصر كان يقيم بالقرب من منزلي وكان لي قريب يعمل ضابطا اسمه محمد المنشاوي ويقيم في منزل مواجه مباشرة لمنزل الزعيم عبدالناصر وكان أعضاء مجلس قيادة الثورة وعبدالحكيم عامر يجتمعون معه فعندما كنت أزور قريبي أراه وكان شخصية جذابة ويقدر قاريء القرآن فقد كان يستمع الي القرآن في إنصات وخشوع وكنت أقرأ في المناسبات الخاصة به كثيرا وقد حضر الرئيس عبدالناصر حفلا في قريتي( بيلا) بمناسبة ثورة يوليو وقرأت القرآن في هذه المناسبة وكانت علاقتي وطيدة معه.
اما الرئيس أنور السادات فقد كان صوته جميلا جدا في قراءة القرآن وسمعته اكثر من مرة في أثناء القراءة وكان صوته عميقا.
وكانت له نبرة مميزة وأتذكر أنه في احد الاحتفالات التي أقيمت في جامعة عين شمس وكنت أقرأ القرآن فيه وعندما هم بمغادرة المكان غير وجهته فبدلا من ان يخرج من الباب المجاور له اتجه نحوي فنبهه الحرس الخاص والمرافقون له الي انه ليس باب الخروج فقال لهم بصوت مسموع للجميع أنا رايح اسلم علي عمي الشيخ ابو العينين فقلت له: بل أنا سوف آتي إليك.. فرد علي قائلا: بل أنا الذي يجب أن يأتي اليك.. فكان الرئيس السادات من محبي قراءة القرآن ومحبي قرائه ولا يمكن أن أنسي هذا الموقف ابدا.
* وماذا عن ذكرياتك في فلسطين؟ وقراءتك للقرآن في المسجد الاقصي؟
** في عام42 جاءني مدير اذاعة الشرق الأدني بفلسطين وكان مستشرقا انجليزيا وقائدا للطيران في الجيش الانجليزي إسمه شمس الدين وتعاقد معي علي الاقامة في يافا قبل الاحتلال الاسرائيلي لمدة ستة أشهر ولاقت قراءتي رضا وقبول الناس, ورشحني الدكتور طه حسين للقراءة ودعاني الملك عبدالله الاول ملك الاردن إلي زيارة عمان لمدة ثلاثة ايام واهداني وساما من الطبقة الاولي. وبعد ثلاثة أشهر اشتقت الي والدتي وبلدي وكان والدي قد توفي وعمري سبع سنوات ولم أكن قد فارقت امي كل هذا الوقت من قبل ولكن مدير الاذاعة لم يمكنني من السفر لوجود عقد يجب الالتزام به لمدة ستة أشهر, وتألمت كثيرا خاصة أن جواز سفري معهم وكانوا يوفرون لي سيارة يقودها جندي انجليزي ويظل معي طوال النهار حتي أحضر وكان يفهمني بالإشارة. وبعد فترة بسيطة اشتدت رغبتي إلي رؤية والدتي فتحدثت إلي صديق فلسطيني في يافا اسمه يوسف بامية وهو من أعيان يافا وكانت له علاقات كبيرة بالمسئولين في حكومة الانتداب الإنجليزي علي فلسطين واستطاع الحصول علي جواز سفري وحجز لي تذكرة القطار حيث كانت خطوط السكة الحديد ممتدة من فلسطين حتي القاهرة.. وبعد فترة جاء مدير الإذاعة في فلسطين وطلب مني العودة معه بعد أن اطمأننت علي والدتي, فلم أجد مانعا من العودة وكنت أقرأ القرآن في إذاعتين, هما إذاعة القدس وإذاعة الشرق الأدني وكانت فلسطين في ذلك الوقت بلدا آمنا تنتشر فيها قبور الأنبياء, ومدنها وقراها جميلة وتتميز بحدائق الموالح وأنا أول قارئ مصري يقرأ القرآن في المسجد الأقصي في صلاة الجمعة وأرجو من الله أن تتحرر فلسطين وأن نعود لقراءة القرآن في المسجد الأقصي كما كان الحال عام1942.
* هل تقوم بإحياء الليالي الدينية في المناسبات حتي الآن؟
** عمري الآن80 عاما ولايزال يطلب مني احياء الليالي الدينية فألبي بعض الدعوات الموجهة من الدول الإسلامية بالإضافة إلي عملي بالمجلس الأعلي للشئون الإسلامية واللجنة العليا بوزارة الأوقاف ولجنة عمارة مساجد القاهرة ورئاسة المعهد الدولي للقرآن الكريم كما أنني عضو لجنة اختيار القراء في الإذاعة والتليفزيون ورئيس مجلس إدارة مسجد الخلفاء الراشدين. ونقيب قراء القرآن الكريم.. وكل هذه المسئوليات تستنفد جزءا كبيرا من وقتي.
* كرئيس لنقابة القراء ما هو دوركم في خدمة النقابة؟!
** أهتم برعاية مصالح القراء منذ أن بدأت النقابة نشاطها عام83 وأسعي جاهدا لزيادة معاش القارئ لأن معاشه15 جنيها فقط!! ولا توجد موارد تعتمد عليها النقابة فمعظمها من قيمة الاشتراكات والاشتراك لايتعدي جنيها واحدا في الشهر.. ونسعي إلي زيادة معاش القارئين وزيادة الدعم لهم من وزارة الأوقاف سنويا بحيث يصبح500 ألف جنيه سنويا حيث يزيد عدد القراء علي5 آلاف قارئ.
وأطالب باستثمار وتوظيف خبرات المشايخ وهذا يضاعف من الفائدة التي تجنيها الدعوة وأتساءل: أين مشروع تكريم معلمي القرآن الكريم فلقد كان هناك مشروع لم يكتمل وأطالب بإحياء هذه الفكرة التي اقترحتها من قبل حتي لا يكون التكريم للشباب المتفوقين فقط وإنما يشمل الشيوخ أيضا.
*ما هي شروط الانضمام لنقابة حفظة القرآن وما هي أهدافها؟
** شروطها أن يحفظ الشاب القرآن الكريم كاملا, ويتم اختباره أمام اللجنة الخاصة بالاختيار.
وأهدافها هي المحافظة علي قراءة القرآن في مصر والعالم ومتابعة القارئين.
* أنت القارئ الوحيد الذي ظهر علي شاشة التليفزيون في أعمال فنية.. فماذا تذكر عن الأدوار التي قمت بها؟
** كان ذلك في ثلاثة أفلام فقد ظهرت في فيلم النائب العام في دور طالب أزهري يقرأ القرآن في المسجد ثم في فيلم ابن عنتر وقمت فيه بدور فتي أعرابي من قبيلة تعادي قبيلة أخري وتم الصلح علي يدي بعد أن قرأت لهم آيتين. ثم ظهرت في فيلم في صحتك حيث كان دوري هو قراءة القرآن في مأتم حبيبة البطل!! ولم أستمر في مجال التمثيل لأني وجدت أن التفرغ لقراءة القرآن أفضل لي كثيرا من هذا المجال..
وأنا أجيد العزف علي العود وأحب كرة القدم وأشجع النادي الأهلي وكان لي أصدقاء قدامي كثيرون منهم حنفي بسطان ومحمد الجندي, أما الآن فأكتفي بمشاهدة كرة القدم في التليفزيون.
* هل تتذكر أول أجر تقاضيته عن قراءتك للقرآن وماذا عن أكبر أجر حصلت عليه حتي الآن؟
** عندما كنت طالبا صغيرا أقرأ القرآن في الكتاب كان لي ورد دائم كل ليلة طوال شهر رمضان عند إحدي العائلات في قريتي وكنت أحصل مقابل ذلك علي150 قرشا. أما عن أكبر أجر حصلت عليه فكان من أمير الكويت السابق عبد الله سالم الصباح بعد إحيائي شهر رمضان هناك وحصلت علي خمسة آلاف دينار كويتي وكان ذلك في الستينيات وكان مبلغا ضخما في ذلك الوقت.
* لماذا قلدت صوت الشيخ محمد رفعت وهل قام أحدا بتقليدك؟
** لأنني كنت دائم الاستماع إليه في مسجد فاضل باشا ومن أشد المعجبين بصوته فكنت أحرص علي الجلوس بالقرب من مجلسه ولم أكن في ذلك الوقت معروفا سوي لأبناء قريتي وأذكر أنني ذات يوم كنت أجلس في المسجد لأستمع إليه وأنا أرتدي الطربوش وكان هناك شخص واحد يعرفني فاقترب من الشيخ الجليل محمد رفعت وهمس في أذنه قائلا هناك شيخ صغير يسمي أبو العينين شعيشع اعتاد تقليد صوتك وطريقتك في قرآءة القرآن فقال له: لا أحد يقلد أحدا وإنما هي موهبة من عند الله وأنا سعيد تمام السعادة بذلك وقمت علي الفور وعرفته بنفسي وانحنيت لأقبل يده ولكنه سارع بتقبيل يدي أنا فأعطاني يومها وكل من حولي درسا في التواضع الشديد وهذا الدرس عملت به طوال حياتي حتي الآن لذا كنت أقوم بتقليده دائما وكان صوتي قريب الشبه من صوته لدرجة أن مسئولي الإذاعة طلبوا مني تسجيل بعض السور الخاصة بالشيخ محمد رفعت بصوتي للمحافظة علي تسجيلاته كاملة.
أما عمن يقلدني فإنني أذكر أنني في أثناء زيارتي لأفغانستان سمعت أحد الأطفال وهو يقرأ القرآن الكريم وكان صوته يقترب كثيرا من صوتي فسعدت جدا بذلك علي الرغم من اختلاف اللغة وهي المرة الوحيدة التي سمعت صوتا يشبه صوتي.
* ماذا عن ذكرياتك في السعودية وقصة دخولك الكعبة؟
** دعيت من الملك فيصل لأداء فريضة الحج وتسجيل المصحف المرتل فذهبت وسجلت جزءا كبيرا من القرآن حتي جاء موعد الحج وحيث يقوم الملك بالإشراف علي غسل الكعبة وكانت أمنيتي أن أدخل الكعبة والحمد لله نلت شرف دخولها والصلاة بها والمشاركة في غسلها ببركة دعائي وعطاء الله لي حيث اتصلت بمرافقي وكان اسمه رشاد غمراوي وقال لي إنه سيأتي لي بدعوة لدخول الكعبة ولم يكن ذلك مسموحا إلا لعدد محدود جدا ممن يتلقون دعوات خاصة من الملك وعندما ذهبت الي الفندق الذي أقيم به لم أجد مرافقي فجلست في ركن من الفندق منهارا وأبكي بشدة ورجوت الله أن يتقبل حجي وأن يمنحني شرف دخول الكعبة وبينما أنا أدعو الله إذا برجل لا أعرفه يقول لي هل تريد دخول الكعبة فأشرت له بأنها أمنيتي فأعطاني تذكرة الدخول لها ولم أره بعدها فلا أعرف أين ذهب ومن أين أتي ولكني لم أفكر في شيء إلا أن أجري نحو الكعبة فدخلتها وأنا في قمة سعادتي وبدأت في تنظيف أركانها بالشال الذي كنت أرتديه ومازلت أحتفظ به حتي الآن.
وهذه الذكري لا يمكن أن أنساها أبدا.
* هل قرأت القرآن في مأتم والدك أو والدتك بعد ذلك؟
** قرأت في مدفن والدي حيث كان من المتعارف عليه في بلدنا عندما يتوفي أحد الأشخاص يأتي أهل المتوفي ليلا بعدد من القارئين ليقرأوا علي قبره وذهبت مع عدد من المشايخ للقراءة وقرأنا ما تيسر من القرآن.
* لماذا كان يذكر اسمك في الإذاعة والتليفزيون مسبوقا بلقب المرحوم؟
** لقد آلمني ذلك أشد الألم وأثار في نفسي حزنا عميقا فلقد كنت واحدا من مؤسسي الإذاعة وأول قارئ مصري سجل القرآن بصوته علي اسطوانات تجارية لدرجة أنني بعد30 سنة من تسجيلها اجدها منتشرة في الجزائر والمغرب.. ولكني فوجئت في فترة من الفترات بمن يريد استبعادي من الإذاعة بحجة أنني كنت قارئا للملك! صحيح أنني كنت أقرأ عند الملك ولكن القرآن ليس حكرا علي أحد.. والملك كغيره من البشر دعاني للقراءة فلبيت الدعوة.. وأنا من القراء الذين جذبوا أسماع مسلمي العالم لسماع القرآن في مصر.. وقد حذرتهم من أن يسبقوا اسمي بكلمة المرحوم وأنا حي أرزق ولكنهم أصروا علي ذلك فرفعت دعوي وكسبتها.
*ولماذا لم يتجه أحد من أبنائك إلي قراءة القرآن مثلك؟
** لم أجبر أحدا من أبنائي علي أن يكرر تجربتي فلكل منهم تفكير خاص به وميول معينة فابني الأكبر محمود مهندس في بنك الائتمان الزراعي والثاني دكتور محمد أستاذ في جامعة لوس انجلوس منذ15 عاما والثالثة مني وهي خريجة كلية الترجمة الفورية جامعة الأزهر ولا تعمل.
* ماهي الأوسمة التي حصلت عليها؟
** لقد حصلت علي العديد من الأوسمة من الدول التي زرتها فحصلت علي وسام الاستحقاق الديني من الدرجة الأولي من سوريا من الملك عبدالله شكري القوتلي وقال لي لقد بدأنا حياتنا علي صوتك ووسام الرافدين من الدرجة الأولي من العراق علي الرغم من أن مناسبة الزيارة كانت حزينة لوفاة أم الملك فيصل فتقديرا للقرآن أعطاني الوسام. وحصلت علي وسام الأرز من لبنان. كما نلت أوسمة من الأردن والصومال وتركيا وباريس وقمت بترتيل القرآن مع الشيخ عبدالباسط في أبي ظبي بدعوة من الشيخ زايد لمدة عشر سنوات متتالية. وحصلت أخيرا علي وسام الامتياز من الدرجة الأولي من الرئيس حسني مبارك في الاحتفال بليلة القدر.
* ما تقويمك لقراءة القرآن بأجر هل تراه عملا أم تجارة؟
** القضية ليست قضية تجارة أو فن يباع, وإنما هذا الأجر هو علي الوقت المستقطع من القاريء.
وليس علي التلاوة. فالقارئ إنسان ولابد أن يحيا حياة كريمة هو وأولاده.. أما الأجيال الجديدة من القراء فقد بدأت تنظر للموضوع كتجارة وتفتقد هواية التلاوة التي كانت الأجيال القديمة متميزة بها ولا يعجبني بعض من يتسولون بالقرآن من بعض المشايخ اليوم وما يحدث من صراعات بين القراء من أجل الكسب المادي.
* لماذا اختفت الأصوات القوية من القارئين؟
** السبب في ذلك يتحمله القارئون فهم دائما يستعجلون الشهرة ويتعجلون الكسب المادي ولا يعطون فرصة لأصواتهم للاستراحة لكي يزداد تألقها. فهم دائما في حالة إجهاد ولهث وراء المادة, فضلا عن اعتمادهم علي مكبرات الصوت التي تمنح أصواتهم تألقا مغشوشا.
أيضا فإن هناك من يؤيدون بعض القارئين في أدائهم وبالتالي تأثرت قدرتهم علي القراءة بشكل مميز.
والحقيقة أن البحث عن القارئين الجيدين يلقي اهتماما خاصا من الرئيس حسني مبارك كل عام في الاحتفال بالمولد النبوي وليلة القدر.
* من هم أفضل القراء علي الساحة حاليا؟
** هناك أصوات تبشر بالخير مثل الشيخ محمد جبريل فهو صاحب صوت جميل في الترتيل والشيخ عبدالوهاب الطنطاوي والمهم في القارئ قراءته وليس هيئته ويجب ان يرتدي زيا محتشما والأفضل أن يضع شيئا علي رأسه كالعمامة أو الطاقية.