المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : أثر الوقف القرآني في الترجيح في الأحكام الشرعية


أحمد الحمصي
25/08/04, 11 :27 11:27:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
أثر الوقف القرآني في الترجيح في الأحكام الشرعية

سأذكر في موضوعي هذا بعضا من الوقوف القرآنية التي يحصل بها ترجيح حكم شرعي على آخر، وبعبارة أخرى يتوقف الحكم الشرعي في المسألة على موضع الوقف، وفي نفس الوقت يتحدد موضع الوقف بمعرفة الحكم الشرعي.
ويتعين على القارئ أن يقف في الموضع الصحيح الذي يبين فيه الحكم الشرعي الصحيح.
المثال الأول:
قال تعالى ( ويسألونك على المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله )
اختلف العلماء في حكم وطء الرجل زوجته بعد انقطاع الدم وقبل الغسل، وقد أثر الوقف في هذه الآية على الحكم، لأن من ضمن ما استدلوا به : أن الوقف على قوله: ( حتى يطهرن) والاستئناف بقوله : ( فإذا تطهرن...) وقالوا: إن قوله : ( فإذا تطهرن..) ابتداء كلام لا إعادة لما تقدم، ولو كان إعادة لاقتصر على الأول، فلما زاد عليه دل على استئناف حكم آخر. وهم يريدون أن الله عز وجل علق جواز الوطء على غاية وقال: ( حتى يطهرن) فأخذ هذا الفريق وهم الأحناف، بقراءة تخفيف الطاء ، فقالوا معنى يطهرن : ينقطع الدم ، ثم يكون الوقف القرآني ويستأنف حكم جديد.
وأجيب عليهم: بأن هناك قراءة يطهرن بتشديد الطاء ، تدل على المبالغة في التطهر وهو الغسل وليس مجرد انقطاع الدم. وعليه فإنه لا يوجد وقف عند قوله: حتى يطهرن، لأن الحكم الشرعي لم يكتمل بعد وإنما التمام عند قوله تعالى: ( من حيث أمركم الله) ، وقد قال الشيخ ابن تيمية: بما معناه: أن الوطء معلق على غايتين، الغاية الأولى في قوله: ( حتى يطهرن) وهي انقطاع الدم ، والغاية الثانية في قوله : ( فإذا تطهرن...) وهي الغسل.
والخلاصة : أن الحنفية جعلوا الوقف عند قوله تعالى: ( حتى يطهرن) والاستئناف من قوله (فإذا تطهرن ...) وعندهم بحسب هذا الوقف يجوز الوطء بعد انقطاع دم الحيض وقبل الغسل.
وأما الجمهور فقد منعوا جواز الوطء قبل الغسل ، وعليه لا يكون الوقف عند قوله تعالى : (حتى يطهرن) وإنما يكون الكلام متصلا حتى قوله : ( من حيث أمركم الله )، فعلى القارئ أن يراعي هذا الخلاف الفقهي في قراءته على التفصيل المذكور.
المثال الثاني:
قال عز شأنه: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى)
اختلف العلماء في قتل الحر بالعبد والأنثى بالرجل والمسلم بالكافر.فالقائلون بعدم قتل الحر بالعبد والرجل بالأنثى والمسلم بالكافر- وهم المالكية والشافعية والحنابلة- قالوا إن الوقف في هذه الآية عند قوله (والأنثى بالأنثى )
والقائلون بأن الحر يقتل بالعبد والرجل يقتل بالأنثى والمسلم يقتل بالكافر- وهم الحنفية- فقد جعلوا الوقف عند قوله تعالى: ( في القتلى) وقالوا هذا كلام تام قائم بذاته غير مفتقر إلى غيره.
المثال الثالث:
قال تعالى: ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون* إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم)
حكم الله تعالى على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام: الأول :جلد ثمانين جلدة، والثاني: بطلان شهادته وعدم قبولها، والثالث: الحكم بتفسيقه. ثم استثنى الله تعالى فقال : (إلا الذين تابو...) لا خلاف في أنه ينتفي الحكم عليه بالفسق إذا تاب ، ولكن هل تصح شهادته إذا تاب؟ أم أن هذا غير داخل في الاستثناء .
القائلون بأن شهادته لا تقبل وإن تاب ، جعلوا الوقف على قوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) والاستئناف من قوله : ( وأولئك هم الفاسقون) ، وأما القائلون بأن شهادته تقبل إن تاب قالوا بعدم الوقف على هذا الموضع وذلك ليكون الاستثناء شاملا لقوله: ( لا تقبلوا لهم شهادة أبدا) وقوله (وأولئك هم الفاسقون)

هذه ثلاثة أمثلة عن توضح أهمية بعض الوقوف وأثرها على الحكم الشرعي، والقرآن الكثيرغيرها ، والله الموفق للصواب
المراجع:
1- الوقف القرآني وأثره في الترجيح عند الحنفية د/ عزت شحاتة كرار
2- أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي.
3-المكتفى في الوقف والابتدا ، لأبي عمرو الداني
4- المقتصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء لزكريا الأنصاري

فريد البيدق
13/04/06, 02 :30 02:30:15 PM
الكريم "أحمد"؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
فائدة طيبة، فجوزيت الخير!!